فصل: مسير ابن قراتكين إلى الري وعوده إليه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  ولاية أسفار على جرجان والري

كان أسفار بن شيرويه من أعيان الديلم وكان من أصحاب ماكان بن كالي‏.‏وقد تقدم لنا أن أبا الحسن بن الأطروش ولي ماكان على أستراباذ وأن الديلم اجتمعوا إليه وأمروه وأنه ملك جرجان واستولى بعدها على طبرستان وولي أخاه أبا الحسن بن كالي على جرجان‏.‏وكان أسفار بن شيرويه من قواده فانصرف مغاضباً عنه سنة خمس عشرة إلى بكر بن محمد بن اليسع بنيسابور فبعثه بكر إلى جرجان ليفتحها واضطرب أمر جرجان لأن ماكان بن كالي اعتقل بها أبا علي الأطروش بنظر أخيه ابن كالي فوثب الأطروش على أخيه أبي الحسن وقتله وملك جرجان‏.‏واستقدم أسفار بن شيرويه فقدم وضبط أمره‏.‏وسار إليهم ماكان من طبرستان في جيوشه فهزموه واتبعوه إلى طبرستان فملكوها وأقاموا بها‏.‏وهلك أبو علي بن الأطروش بطبرستان فعاد ماكان بن كالي وأخرج أسفار بن شيرويه من طبرستان‏.‏ثم زحف أسفار إلى الداعي وماكان والتقوا على السيارية فانهزم الداعي وماكان وقتك الداعي‏.‏واستولى أسفار على طبرستان وجرجان والري وقزوين وزنجاق وأبهر وقم والكرخ ودعا للسعيد نصر بن أحمد صاحب خراسان‏.‏واستعمل على آمد هارون بن بهرام يريد استخلاصه لنفسه لأن هارون كان يخطب لأبي جعفر من ولد الأطروش فولاه آمد وزوجه ببعض نساء الأعيان فبني بها‏.‏وحضر عرسه أبو جعفر وغيره من العلويين فهجم عليه أسفار يوم العرس فقبض على أبي جعفر والعلويين وحملهم إلى بخارى فاعتقلوا بها واستفحل أمر أسفار وانتقض على السعيد صاحب خراسان وعلى الخليفة المقتدر‏.‏وسار السعيد من بخارى إلى نيسابور لمحاربته وأشار عليه وزيره محمد بن مطرف الجرجاني بطاعة السعيد وخوفه منه فقبل إشارته ورجع إلى طاعة السعيد وقبل شروطه من حمل المال وغيره‏.‏ثم انتقض عليه مرداويج واستدعى ماكان من طبرستان وهزم أسفار وقتله وملك ما بيده من الأعمال كما يذكر في أخبار الديلم ثم ملك طبرستان وجرجان من يد ماكان فاستمد ماكان السعيد فأمده بأبي علي بن المظفر فهزمهما مرداويج وعاد أبو علي إلى نيسابور وماكان إلى خرسان‏.‏

  خروج أولاد الأمير أحمد في إسماعيل على أخية السعيد

كان السعيد نصر بن أحمد لما ولي استراب بإخوته وكانوا ثلاثة‏:‏ أبو زكريا يحيى وأبو صالح منصور وأبو إسحق إبراهيم أولاد الأمير أحمد بن إسماعيل فحبسهم في القندهان ببخارى ووكل بهم‏.‏فلما سار السعيد إلى نيسابور سنة خمس عشرة فتقوا السجن وخرجوا منه على يد رجل خباز من أصفهان يسمى أبا بكر داخلهم في محبسهم بتسهيل نفقتهم التي كانت على يده‏.‏وجاء إلى القندهان قبل يوم الجمعة الذي كان ميقاتاً لفتحه‏.‏وأقام عندهم مظهراً للزهد والدين وبذل للبواب دنانير على أن يخرجه ليلحق الصلاة في الجماعة ففتح له الباب وقد أعدهم جماعة للوثوب فحبسوا البواب وأخرجوا أولاد الأمير أحمد ومن معهم في الحبس من العلويين والديلم والعيارين واجتمع إليهم من كان وافقهم من العسكر والقواد ورأسهم شروين الجبلي وبايعوا يحيى ابن الأمير أحمد ونهبوا خزائن السعيد وقصوره‏.‏وقدم يحيى أبا بكر الخباز وبلغ الخبر إلى السعيد فعاب من نيسابور إلى بخارى وكان أبو بكر محمد بن المظفر بن محتاج صاحب خراسان مقيماً بجرجان فاستدعى ماكان بن كالي وصاهره وولاه نيسابور فسار إليها‏.‏ولما جاء السعيد إلى بخارى إعترضه أبو بكر الخباز عند النهر فهزمه السعيد وأسره ودخل بخارى فعذبه وأحرقه فيتنوره الذي كان يخبز فيه‏.‏ولحق يحيى بسمرقند ثم مر بنواحي الصغانيان وبها أبو علي بن أحمد بن أبي بكر بن المظفر بن محتاج صاحب خراسان مقيماً بجرجان فاستدعى ماكان بن كالي إلى جرجان ولقوا بها محمد بن إلياس وقوي أمره فلما جاء يحيى إلى نيسابور خطب له وأظهر دعوته‏.‏ثم قصدهم السعيد فافترقوا ولحق ابن إلياس بكرمان ولحق يحيى وقراتكين ببست والرخج ووصل السعيد إلى نيسابور سنة عشرين واصطلح قراتكين وأمنه وولاه بلخ وذهبت الفتنة‏.‏وأقام السعيد بنيسابور إلى أن استأمن إليه أخواه يحيى ومنصور وحضرا عندهم وهلكا وفر إبراهيم إلى بغداد ومنها إلى الموصل‏.‏وهلك قراتكين ببست وصلحت أمور الدولة‏.‏وكان جعفر بن أبي جعفر بن داود والياً لبني سامان على الختل فاستراب به السعيد وكتب إلى أبي علي أحمد بن أبي بكر محمد بن المظفر وهو بالصغانيان أن يسير إليه فسار إليه وحاربه وكسره وجاء به إلي بخارى قحبس بها فلما فتق السجن خرج مع يحيى وصحبهم‏.‏ثم لما رأى تلاشي أموره استأذنه في المسير إلى الختل فأذن له فسار إليها وأقام بها ورجع إلى طاعة السعيد سنة ثمان عشرة وصلح حاله‏.‏والختل بخاء معجمة مضمومة وتاء مثناة فوقانية مشددة مفتوحة‏.‏

  ولاية ابن المظفر على خراسان

كان أبو بكر محمد بن المظفر والياً للسعيد نصر على جرجان‏.‏ولما استفحل أمر مرداويج بالري كما يأتي في أخبار الديلم خرج عنها ابن المظفر ولحق بالسعيد نصر في نيسابور وهو مقيم بها فسار السعيد في عساكره نحو جرجان ووقعت المكاتبة بين محمد بن عبيد الله البلغمي مدبر دولته وبين مطرف بن محمد‏.‏واستماله محمد فمال إليه مطرف وقتله سلطانه مرداويج‏.‏ثم بعث محمد ينتصح لمرداويج ويذكره نعمة السعيد عنده في اصطناعه وتوليته وتطوق العار في ذلك المطرف الوزير الهالك‏.‏ويهول عليه أمر السعيد ويخوفه ويشير عليه بمسالمة جرجان إليه‏.‏وصالحه السعيد عليها‏.‏ولما فرغ السعيد من أمر جرجان وأحكمه استعمل محمد بن المظفر بن محتاج على جيوش خراسان سنة إحدى وعشرين ورد إليه تدبير الأمور بجميع نواحيها‏.‏وسار إلى كرسي ملكه ببخارى واستقر بها‏.‏استيلاء السعيد على كرمان كان محمد بن إلياس من أصحاب السعيد ثم سخطه وحبسه وشفع فيه محمد بن عبيد الله البلغمي فأطلقه وسيره محمد بن المظفر إلى جرجان‏.‏ثم سار إلى يحيى وإخوته عندما توثبوا ببخارى فكان معه في الفتنة‏.‏وخطب له بنيسابور كما مر‏.‏فلما زحف السعيد إليهم فارق يحيى ولحق بكرمان واستولى عليها‏.‏ثم خرج إلى بلاد فارس وبها ياقوت مولى الخلفاء فوصل إليه بإصطخر يريد أن يستأمن له‏.‏وأطلع ياقوت على مكره فرجع إلى كرمان‏.‏ثم بعث السعيد ماكان بن كالي في العساكر سنة إحدى وعشرين وقاتل ابن إلياس وهزمه وملك كرمان بدعوة السعيد نصر بن أحمد‏.‏وسار إلى الدينور‏.‏ثم رجع ماكان عن كرمان على ما نذكره بعد فرجع إليها ابن إلياس‏.‏وسبب خروج ماكان أن السعيد بعد قتل مرداويج كتب إليه وإلى محمد بن المظفر صاحب خراسان أن يقصد جرجان والري وبها وشمكير أخو مرداويج فجاء ماكان على المفازة ووصل إلى نيسابور بعد أن كان محمد بن المظفر قد استولي عليها بعث إليه مدداً فهزمتهم عساكر وشمكير فأقصر ماكان عن حربهم وأقام بنيسابور وجعلت ولايتها له‏.‏وذلك أول سنة أربع وعشرين‏.‏ثم صفت كرمان لمحمد بن إلياس بعد حروب مع جيش نصر كان له الظفر فيها آخراً‏.‏استيلاء ماكان على كرمان وانتقاضه لما ملك مانحين جرجان وأقام ماكان بنيسابور وجعلت ولايتها له وهلك مانحين لأيام من دخوله جرجان استنفر محمد المظفر ماكان للمسير إلى جرجان فاعتل بالخروج بجميع أصحابه‏.‏وسار إلى أسفرايين فأنفذ عسكراً إلى جرجان واستولي عليها‏.‏ثم انتقض وسار إلى نيسابور وبها محمد بن المظفر‏.‏وكان غير مستعد للحرب فسار نحو سرخس ودخل ماكان نيسابور سنة أربع وعشرين‏.‏ثم رجع عنها خوفاً من اجتماع العساكر‏.‏

  ولاية علي بن محمد على خراسان وفتحه جرجان

كان أبو بكر محمد بن المظفر بن محتاج صاحب خراسان من ولاة السعيد عليها سنة إحدى وعشرين فلما كانت سنة سبع وعشرين اعتل أبو بكر وطال به مرضه وقصد لسعيد راحته فاستقدم ابنه أبا علي من الصغانيان وبعثه أميراً على خراسان‏.‏واستدعى أباه أبا بكر فلقي ابنه أبا علي على ثلاث مراحل من نيسابور فوصاه وحمله حملاً من سياسته‏.‏وسار إلى بخارى ودخل ابنه أبو علي نيسابور من السنة فأقام بها أياماً‏.‏ثم سار في محرم سنة ثمان وعشرين إلى جرجان وبها ماكان بن كالي مستنقضاً على السعيد وقد غوروا المياه في طريقه فسلك إليهم غمرة حتى نزل على فرسخ من جرجان وحاصرها وضيق عليها وقطع الميرة عنها حتى جهدهم الحصار‏.‏وبعث ماكان بن كالي إلى وشمكير وهو بالري فأمده بقائد من قواده فلما وصل إلى جرجان شرع في الصلح بينهما لينجو فيه ماكان فتم ذلك وهرب ماكان إلى طبرستان واستولي أبو علي على جرجان سنه ثلاث وعشرين واستخلف عليها إبراهيم بن سيجور الدواني‏.‏

  استيلاء أبي علي على الري وقتل ماكان بن كالي

ولما ملك أبو علي جرجان أصلح أمورها‏.‏ثم استخلف عليها إبراهيم بن سيجور وسار إلى الري في ربيع سنة ثمان وعشرين وبها وشمكير بن زياد أخو مرداويج قد تغب عليها من بعد أخيه‏.‏وكان عماد الدولة وركن الدولة ابنا بويه يكاتبان أبا علي صاحب خراسان يستحثانه لقصد الري بأن أبا علي لا يقيم بها لسعة ولايته فتصفو لهما‏.‏فلما سار أبو علي لذلك بعث وشمكير إلى ماكان بن كالي يستنجده فسار إليه من طبرستان وسار أبو علي وجاءه مدد ركن الدولة بن بويه وإلتقوا بنواحي الري فانهزم وشمكير وماكان‏.‏ثم ثبت ماكان ووقف مستميتاً فأصابه سهم فقتله‏.‏وهرب وشمكير إلى طبرستان فأقام بها واستولي أبو علي على الري سنة تسع وعشرين وأنفذ رأس ماكان والأسرى معه إلى بخارى فأقاموا حتى دخل وشمكير في طاعة بني سامان‏.‏وسار إلى خراسان سنة ثلاثين واستوهبهم الأسرى فأطلقوا له وبقي الرأس ببخارى ولم يحمل إلى بغداد‏.‏

  استيلاء أبي علي على بلد الجيل

ولما ملك أبو علي بن محتاج صاحب خراسان بلد الري والجبل من يد وشمكير وأقام بها دعوة السعيد نصر بعث العساكر إلى بلد الجيل ففتحها واستولي على زنجان وأبهر وقزوين وقم وكرخ وهمذان ونهاوند والدينور إلى حدود حلوان ورتب فيها العمال وجبي الأموال‏.‏وكان الحسن بن الفيزوان بسارية وهو ابن عم ماكان بن كالي وكان وشمكير يطمع في طاعته له وهو يتمنع فقصده وشمكير وحاصره بسارية وملكها عليه‏.‏واستنجد الحسن أبا علي بن محتاج فسار معه لحصار وشمكير بسارية سنة ثلاثين وضيق عليه حتى سأل الموادعة فصالحه أبو علي على طاعة السعيد نصر وأخذ رهنه ورحل عنه إلى جرجان سنة إحدى وثلاثين‏.‏ثم بلغه موت السعيد فعاد أبو علي إلى خراسان فملكها وراسله الحسن بن الفيرزان يستميله ورد عليه ابنه سلار الرهينة ليستعين به على الخراسانية فوعده وأطمعه‏.‏ولما ملك وشمكير الري طمع فيه بنو بويه لأنه كان قد اختل أمره بحادثته مع أبي علي فسار الحسن بن الفيرزان إلى الري وقاتل وشمكير فهزمه واستأمن إليه الكثير من جنده‏.‏وسار وشمكير إلى الري فاعترضه الحسن بن الفيرزان من جرجان وهزمه إلى خراسان وراسل الحسن ركن الدولة وتزوج ابنته واتصل ما بينهما‏.‏وفاة السعيد نصر وولاية ابنه نوح ثم أصاب السعيد نصراً صاحب خراسان وما وراء النهر مرض السل فاعتل ثلاثة عشر شهراً‏.‏ومات في شعبان سنة إحدى وثلاثين لثلاثين سنة من ولايته‏.‏وكان يؤثر عنه الكرم والحلم وأخلص في مرضه التوبة إلى أن توفي‏.‏ولما مات ولي مكانه ابنه نوح وكان يؤثر الكرم والحلم عنه وبايعه الناس ولقب الحميد‏.‏وقام بتدير ملكه أبو الفضل أحمد بن حويه وهو من أكابر أصحاب أبيه كان أبوه السعيد ولي ابنه إسماعيل بخارى في كفالة أبي الفضل وولايته فأساء السيرة مع نوح وحقد له ذلك‏.‏وتوفي إسماعيل في حياة أبيه وكان يؤثر أبا الفضل فحذره من ابنه نوح‏.‏فلما ولي نوح سار أبو الفضل من بخارى وعبر جيحون إلى آمد‏.‏وكان بينه وبين أبي علي بن محتاج صهر فبعث إليه يخبره بقدومه فنهاه عن القدوم عليه‏.‏ثم كتب له نوح بالأمان وولاه سمرقند وكان على الحاكم صاحب الدولة ولا يلتفت إليه والآخر يحقد عليه ويعرض عنه‏.‏ثم انتقض عبد الله بن أشكام بخوارزم الأمير نوح فسار من بخارى إلى مرو سنة إثنتين وثلاثين وبعث إليه جيشاً مع إبراهيم بن فارس فمات في الطريق‏.‏واستجار ابن إشكام بملك الترك‏.‏وكان ابنه محبوساً ببخارى فبعث إليه نوح بإطلاق ابنه على أن يقبض على ابن إشكام وأجابه ملك الترك لذلك‏.‏ولما علم بذلك ابن إشكام عاد إلى طاعة نوح وعفا عنه وأكرمه‏.‏

  استيلاء أبي علي على الري ودخول جرجان في طاعة نوح

ثم إن الأمير نوحاً سار إلى مرو وأمر أبا علي بن محتاج أن يسير بعساكر خراسان إلى الري وينتزعها من يد ركن الدولة بن بويه فسار لذلك ولقي في طريقه وشمكير وافداً على الأمير نوح فبعثه إليه‏.‏وسار أبو علي إلى بسطام فاضطرب جنوده وعاد عنه منصور بن قراتكين من أكابر أصحاب نوح فقصدوا جرجان وصدهم الحسن بن الفيرزان فانصرفوا إلى نيسابور‏.‏وسار إلى الأمير نوح بمرو فأعاده وأمده بالعساكر‏.‏وسار من نيسابور في منتصف ثلاث وثلاثين‏.‏وعلم ركن الدولة بكثرة جموعه فخرج من الري واستولى أبو علي عليها وعلى سائر أعمال الجبال‏.‏وأنفذ نوابه إلى الأعمال وذلك في رمضان من سنته‏.‏ثم سار الأمير نوح من مرو إلى نيسابور وأقام بها ووضع جماعة من الغوغاء والعامة من أبي علي ويشكون سوء السيرة منه ومن نوابه فولي على نيسابور إبراهيم بن سيجور وعاد عنها وقصد أن يقيم أبو علي بالري لحسن دفاعه عنها وينقطع طمعه عن خراسان فاستوحش أبو علي للعزل وشق عليه‏.‏وبعث أخاه أبا العباس الفضل بن محمد إلى كور الجبال وولاه همذان وخلافة العساكر فقصد الفضل نهاوند والدينور واستولى عليها‏.‏واستأمن إليه رؤساء الأكراد بتلك النواحي وأعطوا رهنهم لطاعة‏.‏وكان وشمكير لما وفد على الأمير نوح بمرو كما قدمناه استمده على جرجان فأمده بعسكر وبعث إلى أبي علي بمساعدته فلقي أبا علي منصرفه في المرة من الري إلى نيسابور فبعث معه جميع من بقي من العسكر‏.‏وسار وشمكير إلى جرجان وقاتل الحسن بن الفيرزان فهزمه واستولي على جرجان بدعوة نوح بن السعيد وذلك في صفر سنة ثلاث وثلاثين‏.‏انتفاض أبي علي وولاية منصور بن قراتكين على خراسان قد تقدم لنا أن الأمير نوحاً عزل أبا علي بن محتاج عن خراسان وكان من قبلها ديوان الجند وهو لنظره وبعث من يستعرض الجند فمحا وأثبت وزاد في العطاء ونقص واستوحش لذلك كله واستوحش الجند من التعرض إليهم بالإسقاط ولأرزاقهم بالنقصان‏.‏وخلص بعضهم إلى بعض بالشكوى واتفقوا في سيرهم إلى الري وهم بهمذان على استقدام إبراهيم بن أحمد أخي السعيد الذي كان قد هرب أمامه إلى الموصل كما تقدم‏.‏وظهر أبو علي على شأنهم فنكر عليهم فتهددوه وكاتبوا إبراهيم واستدعوه جاء إليهم بهمذان في رمضان سنة أربع وثلاثين‏.‏وكاتبه أبو علي وكتب أخوه الفضل سرأ إلى الأمير نوح بذلك‏.‏ونمي خبر كتابه إلى أخيه أبي علي فقبض عليه وعلى متولي الديوان‏.‏وسار إلى نيسابور واستخلف على الري والجبل وبلغ إلى الأمير نوح فنهض إلى مرو واضطرب الناس عليه وشكوا من محمد بن أحمد الحاكم مدبر ملكه ورأوا أنه الذي أوحش أبا علي وأفسد الدولة فنقموا ذلك عليه واعتلوا عليه مع فدفع إليهم الحاكم فقتلوه منتصف سنة خمس وثلاثين‏.‏ووصل أبو علي إلى نيسابور وبها إبراهيم بن سيجور ومنصور بن قراتكين وغيرهما من القواد فاستمالهم وساروا معه ودخلها في محرم سنة ست وثلاثين‏.‏ثم ارتاب بمنصور بن قراتكين فحبسه وسار من نيسابور ومعه العم إبراهيم إلى مرو وهرب أخوه الفضل في طريقه من محبسه ولحق بقهستان‏.‏ولما قاربوا مرو اضطرب عسكر الأمير نوح وجاء إليهم أكثرهم‏.‏واستولي عليها وعلى طخارستان‏.‏وبعث نوح العساكر من بخارى مع الفضل أبي علي إلى الصغانيان فأقاموا بها ودس إليهم أبو علي فقبضوا على الفضل وبعثوا به إلى بخارى‏.‏وعاد أبو علي من طخارستان إلى الصغانيان فأقاموا بها في ربيع سنة سبع وثلاثين وقاتل العساكر فغلبوه ورجع إلى الصغانيان‏.‏ثم تجاوزها وأقام قريباً منها ودخلتها العساكر فخربوا قصوره ومساكنه وخرجوا في أتباعه فرجع وأخذ عليهم المسالك فضاقت أحوالهم وجنحوا إلى الصلح معه على أن يبعث بابنه أبي المظفر عبد الله إلى الأمير نوح رهينة فانعقد ذلك منتصف سنة سبع وثلاثين‏.‏وبعث بابنه إلى بخارى فأمر نوح بلقائه وخلع عليه وخلطه بندمائه وسكنت الفتنة‏.‏قال ابن الأثير‏:‏ هذا الذي ذكره مؤرخو خراسان في هذه القصة وأما أهل العراق فقالوا إن أبا علي لما سار نحو الري استمد ركن الدولة بن بويه أخاه عماد الدولة فكتب يشير عليه بالخروج عن الري وملكها أبو علي‏.‏وكتب عماد الدولة إلى نوح سراً يبذل له في الري في كل سنة مائة ألف دينار وزيادة على ضمان أبي علي ويعجل له ضمان سنة وسجله عليه‏.‏ثم دس عماد الدولة إلى نوح في القبض على أبي علي وخوفه منه فأجاب الأمير نوح إلى ذلك وبعث تقرير الضمان وأخذ المال‏.‏ودس ركن الدولة إلى أبي علي بهمذان ورجع به على خراسان‏.‏وعاد ركن الدولة إلى الري واضطربت خراسان ومنع عماد الدولة مال الضمان خوفاً عليه في طريقه من أبي علي‏.‏وبعث إلى أبي علي‏.‏يحرضه على اللقاء ويعده بالمدد‏.‏وفسد ما بينه وبين إبراهيم وانقبض عنه وأن الأمير نوحاً سار إلى بخارى عند مفارقتها أبي علي‏.‏وحارب إبراهيم العم ففارقه القواد إلى الأمير نوح فأخذ أسيراً وسمله الأمير نوح وجماعة من أهل بيته والله أعلم‏.‏انتقاض ابن عبد الرزاق بخراسان كان محمد بن عبد الرزاق عاملاً بطوس وأعمالها وكان أبو علي استخلفه بنيسابور عندما زحف منها إلى الأمير نوح فلما راجع الأمير نوح ملكه انتقض ابن عبد الرزاق بخراسان‏.‏وولي الأمير نوح على خراسان محمد بن عبد الرزاق واتفق وصول وشمكير منهزماً من جرجان أمام الحسن بن فيرزان‏.‏واستمد الأمير نوحاً فأخرج معه منصوراً في العساكر وأمرهما بمعاجلة ابن عبد الرزاق فخرج سنة ست وثلاثين إلى أستراباذ ومنصور في أتباعه فلحق بجرجان واستأمن إلى ركن الدولة بن بويه ومضى إلى الري‏.‏وسار منصور بن قراتكين إلى طوس وحاصر رافع إلى قلعة أخرى فحاصره منصور بها حتى استأمن إليه وجمع ما معه فأنبه أصحابه‏.‏وخرج معهم فافترقوا في الجبال واحتوى منصور على ما وجد بالحصن وحمل عيال محمد بن عبد الرزاق وأمه إلى بخارى فاعتقلوا بها‏.‏ولما وصل محمد بن عبد الرزاق إلى ركن الدولة بن بويه استيلاء ركن الدولة بن بويه علم طبرستان وجرجان ومسير العساكر إلى جرجان والصلح مع الحسن بن الفيرزان ولما وقع من الإضطراب ما وقع بخراسان اجتمع ركن الدولة بن بويه والحسن بن الفيرزان وقصدوا بلاد وشمكير فهزموه وملك ركن الدولة طبرستان‏.‏وسار إلى جرجان فملكها وأقام بها الحسن بن الفيرزان‏.‏واستأمن قواد وشمكير إليهم فأمنوهم‏.‏وسار وشمكير إلى خراسان مستنجداً بصاحب خراسان فسار معه منصور بن قراتكين في عساكر خراسان إلى جرجان وبها الحسن بن الفيرزان‏.‏واسترهن ابنه ثم أبلغه عن الأمير نوح ما أقلعه فأعاد على الحسن ابنه وعاد إلى نيسابور وأقام وشمكير بأرزن‏.‏

  مسير ابن قراتكين إلى الري وعوده إليه

ثم سار منصور بن قراتكين سنة تسع وثمانين إلى الري بأمر الأمير نوح لغيبة ركن الدولة بن بويه في نواحي فارس فوصل إلى الري واستولى عليها وعلى الجبل إلى قرميسين فكبس الذين بها من العسكر وهم غازون وأسروا مقدمهم محكماً وحبس ببغداد ورجع الباقون إلى همذان فسار سبكتكين نحوهم وجاء ركن الدولة أثر الإنهزام وشاور وزيره أبا الفضل بن العميد فأشار عليه بالثبات‏.‏ثم أجفل عسكر خراسان إلى الري لإنقطاع الميرة عنهم وكان ذلك سواء بين الفريقين إلا أن الديلم كانوا أقرب إلى البداوة فكانوا أصبر على الجوع والشظف فركب ركن الدولة واحتوى على ما خلفه عسكر خراسان‏.‏